تسعين

هابوئيل بئر السبع يهزم كرفينا زفيزدا 2-0 في دوري أبطال أوروبا

هابوئيل بئر السبع يحقق فوزاً مستحقاً بثنائية نظيفة أمام كرفينا زفيزدا في دوري أبطال أوروبا بأداء تكتيكي محكم.

١٢ أغسطس ٢٠٢٦

قدّم هابوئيل بئر السبع عرضاً متماسكاً ومنضبطاً على أرض بلغراد، ليُسقط كرفينا زفيزدا بنتيجة 2-0 في دوري أبطال أوروبا، في نتيجة تحمل ثقلاً بالغاً للنادي الإسرائيلي وهو يواصل مسيرته في أصعب البطولات القارية. جرت المباراة على ملعب كرفينا زفيزدا، وانتهت بصورة عكست بدقة موازين اللعب على مدار تسعين دقيقة، إذ عجز المضيف الصربي عن إيجاد المستوى المطلوب لإزعاج منافسه في اللحظات الفارقة. كانت النتيجة ثمرةً للتنظيم والصبر والقدرة على الاستثمار حين تسنح الفرصة.

لا يُجامل الرقم 2-0 أياً من الفريقين من حيث طبيعة المنافسة، غير أنه يُعبّر بدقة عن المكان الذي وقعت فيه اللحظات الحاسمة في تلك الليلة. هابوئيل بئر السبع، النادي الذي اعتاد المشاركة في جولات التأهل الأوروبية خلال المواسم الأخيرة، أبدى نضجاً تكتيكياً لا يتأتى إلا من التعرض المتكرر لمباريات قارية عالية الضغط. لم يأتِ إلى بلغراد ليمتص الضغط ويرتد فحسب، بل جاء بخطة واضحة ونفّذها بمستوى من الانضباط لم يستطع كرفينا زفيزدا مجاراته حين دخلت المباراة مرحلتها الحرجة.

بالنسبة لكرفينا زفيزدا، مثّلت الليلة فرصة ضائعة للتأكيد على أرضه في بطولة يكتسب فيها الحضور الجماهيري أهمية نفسية بالغة. الماراكانا، أحد أكثر الملاعب أجواءً في كرة القدم الأوروبية، كانت تاريخياً حصناً منيعاً للعملاق الصربي، قادراً على توليد كثافة تُربك الفرق الزائرة. بيد أن الأجواء المشحونة لم تُترجَم هذه المرة إلى أداء يُفكك دفاع هابوئيل المحكم. وجد الفريق الصربي نفسه في نهاية المطاف على الطرف الخاسر من نتيجة تطرح تساؤلات جدية حول قدرته الراهنة على المنافسة في هذا المستوى من كرة القدم الأوروبية.

في غياب إحصاءات تفصيلية للمباراة، تروي الأهداف وتوقيتها الحكاية الأوضح. فتح زلاتانوفيتش التسجيل في الدقيقة 61، فأمال كفة الميزان النفسية بشكل حاسم لصالح هابوئيل، ثم أحكم إيست الغطاء بهدفه الثاني في الدقيقة 79 ليُغلق الباب أمام أي عودة محتملة. هدفان في الشوط الثاني، كلاهما جاء في لحظة كان كرفينا زفيزدا في أمسّ الحاجة فيها إلى الرد، وهذا وحده يكفي لرسم صورة واضحة عن مجريات المباراة وأين تجلّى الفارق في المستوى بين الفريقين.

كرفينا زفيزدا

دخل كرفينا زفيزدا هذه المباراة في دوري أبطال أوروبا محمّلاً بثقل التوقعات المرتبطة بكونه أحد أكثر الأندية تتويجاً في منطقة يوغوسلافيا السابقة، وصاحب حضور أوروبي راسخ. تاريخ النادي في المنافسات القارية، ولا سيما لقب كأس أوروبا عام 1991، يجعل المشاركة في دوري الأبطال أمراً يُعامَل بجدية بالغة على كافة المستويات. غير أن التاريخ والتوقعات لا يكفيان حين يقصر الأداء الميداني عن المستوى المطلوب، وهذا ما حدث تحديداً في بلغراد تلك الليلة.

في الساعة الأولى من المباراة، بدا أن بإمكان كرفينا زفيزدا الإبقاء على التعادل السلبي والبناء عليه في المراحل الأخيرة. كان الفريق المضيف مدركاً لأهمية المحافظة على متانته الدفاعية، خاصة في مواجهة هابوئيل بئر السبع الذي أثبت في حملاته الأوروبية السابقة قدرته على إيذاء الخصوم في المرتدات والكرات الثابتة. بيد أن عجز الفريق الصربي عن منع زلاتانوفيتش من إحراز هدفه في الدقيقة 61 كشف عن هشاشة كانت تتربص تحت سطح التنظيم الدفاعي طوال الشوط الأول.

بعد تلقّي الهدف، وجد كرفينا زفيزدا نفسه أمام التحدي الذي يخشاه كل فريق مضيف في المنافسات الأوروبية: ضرورة مطاردة النتيجة أمام خصم مُدرَّب على إدارة التقدم. تقدّم الفريق الصربي بحثاً عن التعادل، لكنه بذلك أوجد الفراغات التي أتاحت لهابوئيل العمل بحرية أكبر في لحظات الانتقال. جاء هدف إيست الثاني في الدقيقة 79 تحديداً لأن كرفينا زفيزدا كان قد زجّ بلاعبيه للأمام سعياً لإعادة التوازن، فعاقبه الزائر بالكفاءة الإكلينيكية التي تُميّز الفرق العارفة بكيفية إدارة المباريات الأوروبية عن تلك التي لا تزال تتعلم.

يصعب في غياب إحصاءات اللاعبين التفصيلية تحديد أفراد بعينهم تحمّلوا قسطاً أكبر من المسؤولية عن الهزيمة، لكن الصورة الجماعية واضحة. لم يُنتج كرفينا زفيزدا ما يكفي من الفرص الصريحة ليستحق شيئاً من المباراة، وعوقب من فريق كان أفضل تنظيماً وأحكم إدارةً للحظات المفصلية وأكثر فاعلية أمام المرمى. على الجهاز الفني أن يُحلّل هذه الهزيمة ويبحث في أسباب عجز الفريق عن فرض نفسه حين كانت النتيجة لا تزال متعادلة، لأنه حين بات يطارد الفارق كانت المباراة قد أفلتت من قبضته.

هابوئيل بئر السبع

يُمثّل فوز هابوئيل بئر السبع في بلغراد واحداً من أبرز النتائج في تاريخ النادي الإسرائيلي الأوروبي الحديث، وقد تحقق بأسلوب يُشيد بالإعداد التكتيكي والانضباط الجماعي. أن تسافر إلى عقر دار كرفينا زفيزدا، النادي الذي يُولّد أجواءً مكثفة ومخيفة في الماراكانا، وتعود بفوز 2-0، ليس إنجازاً هيّناً. إنه يتحدث عن جودة العمل المُنجز في النادي وعن عقلية مجموعة من اللاعبين أُعدّت بوضوح للأداء تحت الضغط في بيئات غير مألوفة.

بدا أن نهج الفريق الإسرائيلي في المباراة مبني على هوية تكتيكية واضحة: البقاء متراصاً وصعب الاختراق، وتضييق المساحات أمام لاعبي كرفينا زفيزدا الهجوميين بين الخطوط، وانتظار اللحظات التي يمكن فيها استغلال الهيكل الدفاعي للفريق المضيف. هذا ليس نهجاً سلبياً بالمعنى السلبي للكلمة، بل هو طريقة محسوبة وذكية للتعامل مع مباراة أوروبية على أرض الخصم، لا سيما حين تواجه فريقاً يعتمد اعتماداً كبيراً على طاقة جمهوره وضجيجه. نفّذ هابوئيل هذه الخطة بمستوى من الاتساق يدل على أنها كانت مُدرَّبة جيداً في الأيام التي سبقت المباراة.

كانت مساهمتا إ. زلاتانوفيتش وج. إيست اللحظتين اللتين حوّلتا أداءً دفاعياً منضبطاً في الخارج إلى فوز مكتمل، وكلا الهدفين جاء في توقيت عظّم أثره. هدف زلاتانوفيتش في الدقيقة 61 كان ثمرة الصبر، أي القدرة على انتظار اللحظة المناسبة بدلاً من إجبار المواقف التي لم تنضج بعد. أما هدف إيست في الدقيقة 79 فقد أظهر الجودة ذاتها: القدرة على استشعار الفراغ الذي نشأ حين زجّ كرفينا زفيزدا بمزيد من اللاعبين للأمام سعياً للتعادل، واستغلاله. هذه هي سمات الفريق الذي يعرف كيف يفوز في مباريات كرة القدم الأوروبية، لا كيف يُشارك فيها فحسب.

ما نجح فيه هابوئيل بئر السبع بشكل خاص تلك الليلة هو قدرته على إدارة الضغط النفسي للعب بعيداً عن أرضه في أجواء معادية. تاريخ كرة القدم الأوروبية مليء بأمثلة لفرق أدّت بشكل مقبول لفترات طويلة في مباريات خارجية ثم استقبلت هدفاً في لحظة حرجة وفقدت أعصابها. لم يقع هابوئيل في هذا الفخ. ظل منظماً وهادفاً طوال المباراة، وحين أتت فرصة التسجيل انتهزها. الرقم 2-0 النهائي هو انعكاس لفريق كان يعرف تماماً ما يفعله من الدقيقة الأولى حتى الأخيرة.

مجريات المباراة

انطلقت المباراة وكرفينا زفيزدا يحمل ثقل توقعات جمهوره، وهابوئيل بئر السبع يحمل هدوء الفريق الذي أعدّ نفسه جيداً لتحديات اللعب في بلغراد. رسمت الدقائق الأولى ملامح ما سيأتي، إذ سعى المضيف الصربي إلى فرض نفسه عبر طاقة الماراكانا وضجيجها، فيما حرص الزائر الإسرائيلي على تثبيت هيكله الدفاعي وحرمان خصمه من الزخم المبكر الذي يمنح المباريات الأوروبية على أرض الفريق المضيف طابعاً مختلفاً عمّا تُشير إليه الأرقام. ظلت المباراة بلا أهداف طوال الساعة الأولى، وهي مرحلة خدمت أغراض هابوئيل أكثر مما خدمت أغراض كرفينا زفيزدا.

جاءت اللحظة الفارقة في الدقيقة 61 حين سجّل إ. زلاتانوفيتش لهابوئيل بئر السبع ليفتح التسجيل. أتى الهدف في لحظة كان كرفينا زفيزدا يبدأ فيها ربما بالشعور بأن صموده وأفضليته الميدانية قد تُنتجان شيئاً، فجاء الهدف بتوقيت مُحبط نفسياً للفريق المضيف. أن تستقبل هدفاً بعد ساعة من اللعب، حين تكون المباراة متكافئة والجمهور لا يزال مشتعلاً، ضربة بالغة الوطأة، إذ تُزيل راحة التعادل السلبي وتُجبر الفريق المضيف على الدخول في طور رد الفعل الذي لا يناسب دائماً نقاط قوته. بالنسبة لهابوئيل، كان الهدف مكافأة على ستين دقيقة من كرة القدم المنضبطة والذكية.

جاء الهدف الثاني، الذي سجّله ج. إيست في الدقيقة 79، في لحظة كان فيها كرفينا زفيزدا قد تقدّم للأمام بحثاً عن التعادل، تاركاً فراغات خلف خطه الدفاعي استطاع الفريق الإسرائيلي استغلالها. هذا نمط مألوف في كرة القدم الأوروبية، فريق يطارد الفارق يُزجّ بمزيد من اللاعبين في الهجوم فيُهيّئ بذلك الظروف التي تُمكّن الخصم من التسجيل مجدداً. هدف إيست كان نتاج هذه الديناميكية، وكان أيضاً نتاج فريق ظل يقظاً ومنظماً حتى وهي المباراة تدخل ربعها الأخير. الدقيقة 79 وقت تتعثر فيه الأرجل المتعبة والأذهان المحبطة وتُفضي إلى أخطاء دفاعية، لكن لاعبي هابوئيل بدوا محتفظين بتركيزهم وشكلهم التكتيكي طوال الوقت.

من الدقيقة 79 حتى صافرة النهاية، كانت المباراة قد حُسمت فعلياً. التخلف بهدفين مع تبقي أحد عشر دقيقة، إضافة إلى الوقت الضائع، جبل لا تتسلقه إلا القلة النادرة، ولم يكن في أداء كرفينا زفيزدا على مدار التسعين دقيقة ما يُشير إلى امتلاكه الجودة أو الزخم اللازمين لمثل هذه العودة. تأكدت النتيجة النهائية 0-2 لصالح هابوئيل بئر السبع عند صافرة الحكم، وكانت نتيجة تعكس بدقة موازين المباراة في مجملها. الهدفان، كلاهما في الشوط الثاني وكلاهما في لحظة كان أثره أعظم ما يكون، رويا قصة مباراة أدار هابوئيل دفّتها دون أن يهيمن عليها بالضرورة من الناحية الإحصائية.

نجم المباراة

في غياب لاعب بارز مُحدَّد من البيانات المتاحة للمباراة، وفي ظل انعدام دقائق اللعب والإحصاءات الفردية لهذا اللقاء، لا يمكن تقديم حجة مبنية على أدلة كاملة لتسمية لاعب واحد متميز بالمعنى التقليدي. غير أن ما يمكن قوله بثقة هو أن الهدافَين، إ. زلاتانوفيتش وج. إيست، كانا الأكثر تأثيراً في تشكيل مسار المباراة، وأي حديث عن الأداء الفردي في هذا اللقاء لا بد أن يبدأ وينتهي بالرجلين اللذين وضعا الكرة في الشباك.

كان هدف إ. زلاتانوفيتش في الدقيقة 61 الأكبر أثراً من الناحية النفسية في تغيير مجرى المباراة. أن تفتح التسجيل في مباراة أوروبية على أرض الخصم، لا سيما في الشوط الثاني حين تكون المباراة خالية من الأهداف وثقة الفريق المضيف في ازدياد، يستلزم نوعاً خاصاً من الهدوء والتنفيذ التقني. حقيقة أن زلاتانوفيتش أحرز هدفه في تلك اللحظة بالذات، حين كان ضغط المناسبة في أوجه وكرفينا زفيزدا في أشد حالاته خطورة، تدل على لاعب قادر على الأداء في البيئات عالية المخاطر. في غياب الإحصاءات التفصيلية لا يمكننا قياس مجمل مساهمته على مدار التسعين دقيقة، لكن الهدف في حد ذاته يبقى أهم مساهمة فردية يمكن أن يقدمها أي لاعب ميداني.

أما هدف ج. إيست في الدقيقة 79 فقد أظهر جودة مختلفة لكنها لا تقل قيمة: القدرة على البقاء حاداً وحاسماً في المراحل الأخيرة من المباراة، حين يُبلّد التعب الجسدي والذهني حواس حتى اللاعبين الموهوبين. أن تسجّل في الدقيقة 79 من مباراة أوروبية على أرض الخصم، والمباراة لا تزال حية عند 1-0 والفريق المضيف يضغط بحثاً عن التعادل، يتطلب التركيز والجودة التقنية اللذين يُفرّقان اللاعب الجيد عن اللاعب الفعّال. مساهمة إيست أنهت المباراة عملياً بوصفها منافسة، ومنحت هابوئيل بئر السبع فارقاً بهدفين لم يكن المضيف الصربي ليستعيده في الوقت المتبقي.

في غياب لاعب بارز مُعرَّف رسمياً، وبدون الدعم الإحصائي الذي يُتيح عادةً تقييماً أكثر دقة للمساهمات الفردية، من دقة التمرير إلى المبارزات المكتسبة والمسافة المقطوعة والفرص المُصنَّعة، تستند الحجة لصالح زلاتانوفيتش أو إيست بوصف أحدهما أبرز لاعبي الليلة أساساً إلى الهدفين أنفسهما. في كرة القدم، ولا سيما في المنافسات الأوروبية حيث تحمل النتائج ثقلاً هائلاً على صعيد التأهل والتقدم، فإن اللاعبين الذين يسجلون الأهداف التي تحسم المباريات هم بحكم التعريف الأكثر تأثيراً على أرض الملعب. كلا الرجلين ترك بصمته على نتيجة بالغة الأهمية لهابوئيل بئر السبع، وهذا هو المقياس الأوضح للجودة الفردية المتاح من هذا اللقاء.

في سياق دوري أبطال أوروبا

الفوز بنتيجة 2-0 في دوري أبطال أوروبا يحمل ثقلاً بالغاً بصرف النظر عن المرحلة التي يتحقق فيها، وسيُلاحَظ فوز هابوئيل بئر السبع على كرفينا زفيزدا في أرجاء البطولة دليلاً على أن الفريق الإسرائيلي قادر على المنافسة في هذا المستوى. دوري الأبطال بطولة تتطلب الاتساق عبر مباريات متعددة، والفوز الخارجي المقنع، لا سيما أمام فريق يمتلك تاريخ وأفضلية ملعب كرفينا زفيزدا، يُوفر منصة انطلاق يمكن لهابوئيل أن يبني عليها حملته بثقة حقيقية. ستكون النتيجة أيضاً رسالة تحذير للأندية الأخرى في البطولة مفادها أن النادي الإسرائيلي لا ينبغي الاستهانة به.

بالنسبة لكرفينا زفيزدا، تُمثّل الهزيمة نكسة تستلزم إدارة دقيقة على صعيد المعنويات والاستجابة التكتيكية. الأندية الصربية تحمل تقليداً أوروبياً عريقاً، وكرفينا زفيزدا تحديداً يحمل ثقل لقب كأس أوروبا عام 1991 معياراً تُقاس به أداءاته الراهنة حتماً. الخسارة في المنزل بدوري الأبطال ليست مجرد نتيجة سيئة، بل هي إفصاح عن المكانة التي يحتلها النادي حالياً في الهرم الأوروبي، وستُضاعف الضغط على الجهاز الفني واللاعبين وهم يتطلعون إلى مبارياتهم المقبلة في البطولة. الرد مطلوب، والرد السريع تحديداً.

في السياق الأشمل لدوري أبطال أوروبا، تُعزز نتائج كهذه صفة عدم القدرة على التنبؤ التي تجعل البطولة بالغة الإثارة. هابوئيل بئر السبع ليس نادياً يمتلك الموارد المالية أو الحضور القاري للعمالقة الأوروبيين التقليديين، ومع ذلك أثبت في هذه المباراة أن الذكاء التكتيكي والتنظيم الجماعي والقدرة على انتهاز الفرص حين تُسنح يمكن أن تكفي للإطاحة بأندية تمتلك موارد أكبر وسمعة أوروبية أرسخ. هذا هو جوهر جاذبية دوري الأبطال، إذ يُتيح مسرحاً يمكن فيه للجدارة أن تتغلب أحياناً على النسب والتاريخ.

ستتضح تداعيات هذه النتيجة على مركزَي الفريقين في مجموعتيهما أو جولات تأهلهما، بحسب المرحلة التي جرت فيها هذه المباراة بالتحديد، مع تأكيد النتائج اللاحقة. ما هو واضح بالفعل هو أن هابوئيل بئر السبع منح نفسه أفضلية ملموسة في فارق الأهداف والنقاط، فيما يواجه كرفينا زفيزدا ضرورة استعادة الأرض المفقودة في المباريات التالية. في المنافسات الأوروبية حيث يكون الفارق بين التأهل والإقصاء دقيقاً للغاية، فإن هزة من هدفين كهذه تترتب عليها تبعات تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من تسعين دقيقة.

سيستمد هابوئيل بئر السبع تشجيعاً كبيراً من هذه النتيجة وهو يواصل مسيرته في دوري أبطال أوروبا. الفوز خارجياً 2-0 على كرفينا زفيزدا من النتائج التي تبني الإيمان داخل المجموعة وتُزوّد الجهاز الفني بدليل ملموس على أن نهجه التكتيكي يُؤتي ثماره على أعلى مستوى في كرة القدم للأندية. أثبت الفريق الإسرائيلي قدرته على إدارة المتطلبات النفسية لمباريات أوروبية خارجية في أجواء معادية، وأن في صفوفه لاعبين قادرين على تسجيل أهداف مهمة في لحظات حاسمة، وأن تنظيمه الدفاعي الجماعي متين بما يكفي لإبقاء فريق مضيف عازم خلف الشباك. هذه مقومات ستُفيده كثيراً في المباريات المقبلة.

التحدي أمام الجهاز الفني لهابوئيل الآن هو ضمان ألا تُولّد هذه النتيجة استرخاءً. للمنافسات الأوروبية طريقة في إذلال الفرق التي تسمح لنتيجة إيجابية بأن تُليّن استعدادها للمباريات التالية، والنادي الإسرائيلي يدرك أن المستوى الذي قدّمه في هذا الأداء يجب أن يُحافَظ عليه أو يُحسَّن في المباريات اللاحقة. أهداف زلاتانوفيتش وإيست توفران أرضية من الثقة، لكن الثقة وحدها لا تكفي لاستمرار حملة في دوري الأبطال، بل يجب أن تُسندها مواصلة العمل الجاد والمرونة التكتيكية والاستعداد للأداء تحت الضغط بصورة منتظمة.

أما كرفينا زفيزدا فيواجه مرحلة تأمل ومراجعة إثر هزيمة منزلية خيّبت آمال جمهوره وأثارت تساؤلات حول قدرة الفريق على المنافسة في هذا المستوى. ستكون المباراة المقبلة للنادي الصربي حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه النتيجة استثناءً أم تعبيراً عن واقع أعمق. على الجهاز الفني تحديد المجالات التي تفوق فيها الخصم، العجز عن صنع فرص كافية والإخفاق في الحفاظ على التنظيم الدفاعي في اللحظات المفصلية، ومعالجتها بالإلحاح الذي تفرضه المنافسات الأوروبية. الرد مطلوب وبسرعة.

السردية الكبرى التي تُفرزها هذه المباراة هي صورة دوري أبطال أوروبا تنافسياً وغير قابل للتنبؤ، حيث تستطيع أندية من دول خارج القوى الأوروبية التقليدية تحقيق نتائج تُزعزع التراتبيات الراسخة. فوز هابوئيل بئر السبع في بلغراد تذكير بأن قيمة البطولة تكمن تحديداً في قدرتها على إنتاج نتائج لا يمكن التنبؤ بها بمجرد مقارنة حجم الأندية وإمكاناتها. وبينما يتطلع كلا الفريقين إلى مواجهاتهما المقبلة، ستظل هذه النتيجة مرجعاً، لهابوئيل معياراً يُحافظ عليه، ولكرفينا زفيزدا عجزاً يتجاوزه. دوري الأبطال لا ينتظر أحداً، وستُخبرنا استجابة الفريقين لهذه التسعين دقيقة الكثير عن طموحاتهما وقدراتهما في ما تبقى من الموسم.